- وحيد حامد يحبس نفسه مع جماعات العنف
- الدراما المصرية عاجزة عن الحياد مع الإسلاميين
تحقيق- أحمد الطهطاوي
السينما فن، والفن الهادف جمال، والجمال متعة للنفوس، فلماذا يصرُّ تجار الفن على الربح المادي أو المعنوي بطريقة خلط الأوراق حتى يلتبس الأمر على الناس، فيستطيعون حينها بثَّ أفكارهم وإن كانت مشوّشةً وزرْعَها في عقل رجل الشارع البسيط الذي لا يحرص على تحليل ما وراء الأحداث.
هذا هو الأسلوب المتَّبع والمفضَّل للكاتب والسيناريست وحيد حامد الذي يُثير عاصفةً من الجدل مع كل عمل جديد له، والذي يحرص دائمًا على تقديم صورة مشوَّشة ومبتورة للإسلاميين على شاشة الدراما المصرية عن طريق الخلط بين (بعض جماعات العنف) مع مزجِ هذه الصورة بالواقع السياسي ليُضفيَ عليها مسحةً مزيفةً من الواقع.
والمشكلة دائمًا في أدبيات وحيد حامد أنه يختزل الإسلام الذي جاء لإنارة العالم في شكل طاقية وجلباب وسنج، في الوقت الذي يحتشد فيه الإسلام بالقيم النبيلة كالتسامح مع أهل الأديان الأخرى وحماية المقدسات الدينية حتى لو كانت لديانة أخرى.
فلو تتبعنا أعماله الدرامية "الإرهاب والكباب"، "طيور الظلام"، مسلسل "العائلة"، "الإرهابي"، وأخيرًا فيلم "دم الغزال" نجدها تركِّز بإصرار على رسالة واحدة- وإن اختلفت النماذج- ألا وهي رفض سيطرة المسلمين على مجريات الحياة السياسية في مصر، وتصوير الحياة بشكل لا يُطاق تحت هذا الحكم، وبالتالي حشد رفض شعبي لهذه السيطرة، ولنأخذ مثالاً لذلك آخر أفلام وحيد حامد بعنوان "دم الغزال".
فأحداث فيلم "دم الغزال" تدور في إحدى المناطق العشوائية في القاهرة وهو حي "إمبابة" الفقير أواسط التسعينيات؛ حيث يتحول طبَّال- محمود عبد الغني- يقف وراء راقصة في المناطق الشعبية إلى أميرٍ لجماعةٍ متطرفةٍ في المنطقة تطبق مبادئ الدين الإسلامي حسب أهوائها ومصالحِها الشخصية "لاحِظ التضادّ في المسارَين".
وهو يرمز بشكل أو بآخر لشخصية "جابر" الطبَّال الشهير في إمبابة والذي تحوَّل لأمير جماعة، وهو بذلك يحاول إلصاق تُهَم غير معقولة بالإسلاميين.
أحداث "دم الغزال"
يُفتتح الفيلم بحفل عرس حنان "منى زكي"- الفتاة اليتيمة غير المتعلمة- من حشَّاش، ويقف في الحفل الطبَّال وراء الراقصة "صفوة" التي يقوم البلطجي "عمرو واكد" بمغازلتها، ويأتي في الخلفية أفرادٌ من جماعة متطرفة تنظر بازدراء إلى الحفل وتثير القلق في نفس صديق والد حنان المتوفَّى "صلاح عبد الله"، لينتهي المشهد باقتحام رجال الأمن الحفل وإلقاء القبض على العريس وبعض الحضور نتيجة حيازتهم المخدرات بعد وشايةٍ من البلطجي طمعًا في الفوز بالعروس حنان.
يشكِّل ذلك مقدمةً لقيام العريس بطلاق زوجته التي لم يدخل بها، وفتح المجال لصراع جسدي بين البلطجي والطبَّال على محاولةٍ للتقرب من حنان ينهزم فيها الأخير وتُهدر كرامتُه أمام أهل الحي فيترك عشيقته الراقصة، ويفكِّر في الانتقام، وينضم إلى الإسلاميين طالبًا منهم معاونتَه على الأخذ بثأره، ويوافق قادة الجماعة على ذلك ليتخذوه وسيلةً لتنفيذ تعليماتهم والتضحية به عند أول صدام مع الأمن، ويصبح الطبَّال بعد فترة وجيزة أميرًا للجماعة في الوقت الذي يقوم فيه أصدقاء والد حنان المتوفى "نور الشريف وصلاح عبد الله" برعايتها وإيجاد عمل لها في نادٍ رياضي تمتلكه "يسرا" السيدة الأرستقراطية التي لديها العديد من الأسرار المهمة لأبرز شخصيات رجال الأعمال المصريين.
وتسير وتيرة الأحداث بتسخير الطبَّال أفراد الجماعة في الانتقام من الهجَّام بقطع يده التي ضربَه بها؛ بدعوى أنه يقيم حدَّ الله عليه لأنه سارق، والتهديد بالبطش بكل مَن يعارضه في الحي الذي أعلنه "جمهورية إسلامية" خاصةً مع بعض الاستعراضات لتدمير محلات بقالة ومكتبة لبيع شرائط الفيديو وراديو بمقهى المنطقة، ويتزامن ذلك مع سعي أمير الجماعة- الطبَّال- لمعرفة مكان حنان بكل الطرق.
وتتصاعد الأحداث عندما يذهب الطبَّال متخفيًا لقضاء سهرة خاصة مع عشيقته الراقصة وعند رفضها له بسبب مهاجمته لها و" قطع عيشها" يغتصبها!! وأثناء عودته يتصادم مع رجال الأمن الذين يكثِّفون البحث عنه ويقتل العشرات من رجال الشرطة والمدنيين ويهرب، ويبحث رجال الأمن عن وسيلة للإيقاع به ولا يجدون خيرًا من استخدام الفتاة اليتيمة "حنان" كطُعم للإيقاع به، فيأمرونها بالرجوع إلى الحي ويبتلع الأمير الطُّعم- بسذاجة- وتدور معركة في الظلام تنتهي بمصرع حنان، وتُختتم أحداث الفيلم بمنظر للطبَّال وهو يقيم على ضفاف النيل تحت كوبري إمبابة.
رسالة رخيصة
ونلاحظ أن إبقاء المؤلف على بطل الفيلم حيًّا فيه إيحاءٌ مباشرٌ بأن الخطر موجودٌ ويعيش وسط المجتمع، ويتعين على الجميع الحذر منه ومقاومته، وهو بذلك يحاول الزجَّ بالإسلاميين وتحذيرَ الرأي العام بأن الخطر الإسلامي قادم لا محالة وأن مواجهتَه هي أفضل الوسائل في رسالة "رخيصة" للنظام يدغدغ بها مشاعره بضرورة الضرب بقوة على كل ما هو إسلامي.
وقد اعتبَر بعض النقاد أن الفيلم "يقدم لغةً فنيةً تجاوزها الزمن؛ من حيث الرؤية الفنية وكتابة السيناريو" كما يقول الناقد السينمائي طارق الشناوي الذي انتقد "حواراته المباشرة ولغة الصريخ العالية" التي اتسم بها، مؤكدًا أن الفيلم حمل "إدانةً للجميع؛ حيث إن دم الغزال يعني البراءة، فكل الشخصيات التي شاركت في الفيلم مُدانة من نور الشريف "بشخصيته المثيرة للجدل" وصلاح عبد الله "الشخصية المستضعفة المستسلمة" ويسرا والإرهابيين والدولة في إراقة دماء براءة الشباب المصري.
متحامل على طول الخط
ولا ينكر وحيد حامد هذا الخطَّ الدرامي الثابت في أعماله التي تتناول موضوع الإرهاب، فقد صرَّح في أحد حواراته الصحفية أنه توقَّع منذ فترة سيطرة الإخوان المسلمين على مجلس الشعب وقال: "أنا شخصيًّا غير متخوف من دخول الإخوان مجلس الشعب؛ لأنهم لن يصلوا إلى شيء آخر، فهم بطبيعتهم دكتاتوريون وهدفهم حكم البلاد وهذا لن يحدث أبدًا، كما أنَّ الأصوات التي حصلوا عليها ليست حبًّا فيهم ولكنها رفض للنظام الحاكم"!!
وأكد حامد أنه ضد صعودهم لأنه- على حد قوله- يعلم حقيقتهم، وقال: أرفض الديكتاتورية الدينية، وأضاف "لا أنكر أن هناك قلقًا لدى المبدعين والمثقفين تجاه الإخوان، وهذا ليس خوفًا على رزقهم أو مهنتهم، بل خوفًا على حال الوطن والأمة؛ لأن هناك تجربةً مماثلةً مع طالبان في أفغانستان، فالمشكلة هي عودة نظام الحكم إلى "100 سنة ورا" وإصرارهم على الحكم بالدين".
رؤية الإسلاميين ضرورة حتمية
وحول الرؤية الحقيقية للإسلاميين في الدراما المصرية يؤكد الناقد د. علاء عبد العزيز- الأستاذ بمعهد السينما- في حديثه لموقع (إخوان أون لاين) أن الشكل النمطي في الدراما عامةً يعتمد على طرح صورة وعمل إلحاح عليها، وصورة الإسلاميين في الدراما المصرية تأتي بشكل نمطي، ويتم تناولها للأسف بشكل سلبي لتعكس مفهومَ التعصب وضِيق الأفق، فيتم حصرها في إطار محدد لتلعبَ دورًا محددًا في الأحداث، وفي الغالب يتم الخلط بينها وبين الجماعات المتطرفة.
وأشار عبد العزيز إلى أن ما يصحُّ تطبيقُه في الأعمال الدرامية خلال فترة معينة من الصعب أن يطبَّق حاليًا، فصورة الإسلامي المتجهِّم الرافض لأي حوار.. المتعصب.. ضيِّق الأفق.. التي قُتلت تكرارًا في فترة التسعينيات التي تدفع المتلقِّي إلى النفور ورفض هذا النموذج لا يمكن أن تُعرضَ الآن، فيجب على الكاتب الآن أن يتبع أسلوب إعادة القراءة لمجريات الأحداث، ويتعمَّق في فهم الدوافع والأسباب الحقيقية لظاهرة الإرهاب؛ حتى لا تغيب عنه الرؤية الحقيقية ولا يقع في فخ الخلط بين الإسلامي الحق الوسطي المعتدل والمتطرف.
الدراما المصرية منغلقة!!
ويتفق الدكتور عمار علي حسن- الناقد والمحلل السياسي- مع سابقِه في سوء معالجة الدراما المصرية لمسألة الإسلاميين بالقول: "إن الدراما المصرية للأسف تعالج المسائل الخاصة بالإسلاميين بشكلٍ غير موضوعي".
وفي إطار نقدِه لمؤلف "دم الغزال" يقول إن وحيد حامد يركِّز في "دم الغزال" على فصيل واحد من الإسلاميين، فغالبًا أبطال أعماله الدرامية ينتمون إلى الفصيل الأكثر انغلاقًا وتطرفًا بين الإسلاميين، لكنَّ أفكار الجماعات الأخرى والتجليات المتجددة للحركة الإسلامية- وخاصةً أفكار جيل الوسط الأكثر تطورًا داخل الجماعات الإسلامية والتي يمثلها عبد المنعم أبو الفتوح وأمثاله- غير موجودة بالأعمال الدرامية بوجه عام.
وهذا على عكس الأدب، فمثلاً نجد نجيب محفوظ في "القاهرة 30" تناول شخصية مأمون رضوان بشكل حيادي، لكن عندما تحولت الرواية إلى فيلم أُنتج في الستينيات نجد أن المخرج صلاح أبو سيف تجاهل الشخصية تمامًا.
والسيناريست وحيد حامد لديه رؤيةٌ واحدةٌ يتم تضخيمها، ويدخل ذلك في باب التعميم غير العلمي، ومن الأفضل إذا كانت لدينا رغبةٌ في تناول الإسلاميين بالأعمال الدرامية أن يتم إيجاد نوع من التوازن، فهناك أشكال أخرى من التدين ويجب تناول أفكار الجماعات الأخرى ولا تقتصر الرؤية على فصيل واحد.
وترجع رؤية حامد للإسلاميين بشكل عام إلى أفكار أيدلوجية، ونرى في "دم الغزال" أن رؤيتَه للإسلامي "سطحية"؛ لأنها تتناول فصيلاً واحدًا، فعلى الرغم من أنه موجود ولكن أن يتم تضخيمه وتعميمه بحيث يصبح الشكل العام للإسلامي فهذا هو الخطأ، ويدل على عدم إلمامه بكل مستجدات الحركة الإسلامية.
فحامد- والكلام لا يزال لعمَّار- لم يرَ الجوانب الأخرى في الحركة الإسلامية، فما فعله "الطبَّال" في دم الغزال كان موجودًا في السبعينيات والثمانينيات، ولا تزال رؤيتُه واقفةً عند فترة معينة وقاصرةً على جماعة "الشوقيين"، فهي بمثابة المنظار لوحيد حامد الذي يرى كل الإسلاميين من خلاله، ويختزلهم في هذا النموذج وبالتالي لم يسعَ في يوم من الأيام لتجديد رؤيته حول الإسلاميين والنظر بعيدًا عن جابر الطبَّال أواسط التسعينيات.
الإخوان: الفن بريء من الرذيلة
د. عبد المنعم أبو الفتوح
وعلى الجانب الآخر تؤكد جماعة الإخوان أن لهم رؤيةً وسطيةً تتبنَّى حرية الإبداع والردّ على الفكر بالفكر لا بالمصادرة، وأن يكون المجتمع ووسائل الإعلام الرقيب الوحيد على الإبداع، ومن يعتدِ على مقدسات المجتمع وقيمه فالقضاء هو الحاكم الوحيد وليس الحكومات.
ويقول الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان): الفن له أهدافه ورسالته، لكن هناك بعض الانحرافات ونحن بالفعل ضدها، فما يقدَّم الآن في الفيديو كليب من عُري هو انحطاط أخلاقي، فالفنُّ سلاح ذو حدين فقد يكون "فنًّا مبتذلاً" أو "فنًّا جيدًا"، والإخوان هم ضمير الناس العاديين، وليسوا متزمّتين، ويرون أن هناك أعمالاً قد تكون حرامًا وأخرى جيدة.
مشيرًا إلى أن المبدعين الحقيقيين هم الذين يحترمون قيمَ المجتمع ويعبرون بأعمالهم عن المجتمع المصري، وهناك فرقٌ بين الفن والدعارة، فالفن يعمِّق الفهم وهو رسالته، وهناك أعمال فنية هادفة وتقدم رسالةً وتُرضي أذواقًا كثيرةً، وهناك أعمال أخرى منحطَّة يرفضها الـ70 مليون مصري؛ ولذلك لا نقبل أن تُقدَّم رذيلةٌ باسم الفن، ونسعى أن يكون الفن أكثر تدينًا؛ لأنه سيُعطي صورةً عن المجتمع الذي نعيش فيه، والإخوان حاليًا يقدمون مسرحياتٍ وأغنياتٍ للأفراح الإسلامية، ولكنَّ التليفزيون لا يعرضها لأنه لا يشجِّع الفن النظيف!!