إخوان أون لاين - 13/03/2006
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107)﴾ (الأنبياء).
لو يعلم الذين آذوا النبي- صلى الله عليه وسلم- بالكلماتِ أو الأفعال كيف كانت رحمته بهم، وكيف كانت شفقته عليهم لذابت قلوبُهم محبةً له ورغبةً في اتباعه صلى الله عليه وسلم.
إنها الرحمة التي تفيض حتى تكاد تقتل صاحبَها أسًى لما يرى من انصراف الخلق عن طريق الجنة إلى طريق النار، حتى يصف القرآن حال النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)﴾ (الشعراء)، وفي رحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين يقول تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 59).. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾ (التوبة).
أخرج الشيخان عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من وُجْد أمه من بكائه"، وكان يُوصي الناسَ بالضعفاء منهم كما في قوله- صلى الله عليه وسلم-:"استوصوا بالنساء خيرًا" فقد أمر بتكريم المرأة أمًّا وأختًا، وزوجًا وبنتًا، والأحاديث بل الأفعال النبوية في هذا الباب كثيرة، بينما الحضارة الغربية لا تزال حتى الآن تعتبرها سلعةً تؤجر وتمتهن في أخس الأعمال، أو دنيا يتباهى بها الرجال!!
وكان- صلى الله عليه وسلم- يُوصي بالخدم، فعن معاوية بن سويد: "كنا بني مقرن على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس لنا خادمٌ إلا واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أعتقوها"! فقيل: ليس لهم خادم غيرها، فقال: "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها" أخرجه مسلم.
رحمته بالكافرين برسالته
فكان يحمل عن العجوز- وإن كانت كافرةً به ولم تكن تعرفه- حتى إذا أوصلها لبيتها حذَّرتْه من اتباع من يدَّعي النبوة، فأخبرها- صلى الله عليه وسلم- أنه محمدُ بن عبد الله!! وكان إذا ذبح شاةً وأمر بتوزيع جزءٍ منها على الجيران لا ينسى أن يوصي: "هل أهديتم إلى جارنا اليهودي؟"
وتروي كتب السير أنه- صلى الله عليه وسلم- بكى لما رأى جنازةَ مشرك، ولما سئل عن سبب بكائه- صلى الله عليه وسلم- قال: "نفس تفلَّتت مني إلى النار"، وتبلغ رحمته- صلى الله عليه وسلم- بأعدائه القمةَ السامقة عندما يتعرَّض لإيذائهم، ففي هذه المَواطن التي يفقد فيها الرحماء رحمتَهم، عندما تعرَّض للسباب والضرب من أهل الطائف، ونزل ملك الجبال في صحبة جبريل عليه السلام يعرض على النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يطبق عليهم الأخشبين، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- قولته المشهورة:"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، وفي هذا القول جمع النبي- صلى الله عليه وسلم- مقاماتِ الإحسان كلها، فقد عفا عنهم، والتمس لهم العذرَ بجهلهم، ثم دعا لهم ولم يكن هذا موقفًا فريدًا للنبي- صلى الله عليه وسلم- بل كان هذا خلُقه مع من خالفه وحاربه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم اهدِ دوسًا، اللهم اهدِ ثقيفًا، اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة".
ثم تجلَّت رحمته- صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة، وقد فعل أهلُها به وبأصحابِه ما فعلوا.. قال عمر: لما كان يوم الفتح ورسول الله بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال، عمر: فقلت لقد أمكن الله منهم، لأعرفنهم بما صنعوا، حتى قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريبَ عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، قال عمر: فافتضحت حياءً من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من كراهية أن يكون بدَرَ مني، وقد قال لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما قال!!
رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان
أوقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جيشَه لما رأى جيشُه حمرةً تحوم فوق الجيش، فقال صلى الله عليه وسلم: "من فجَّع هذه بأفراخها؟ ردُّوا ولدها إليها"، ونهى- صلى الله عليه وسلم- أن يُتَّخذ الحيوانُ هدفًا يُرمَى بالنبال ليُتعلَّمَ فيه الرميُ، وأمر مَن يريد أن يذبح أن يحدَّ شفرتَه، ويريح ذبيحتَه، وألا يذبح حيوانًا بمرأى من حيوان، فلا نعجب بعد ذلك إذا رأينا أتباعه- صلى الله عليه وسلم- يدعمون هذه الحضارة الإسلامية التي أقامها النبي- صلى الله عليه وسلم- وأن يكون في هذه الحضارة مَن يهتم بالحيوان في وقت كانت أوروبا تعيش أحلك فترات الظلام.
حتى جهاده- صلى الله عليه وسلم- كان رحمةً
فكان خروج المسلمين للجهاد خروجًا أخلاقيًّا رحيمًا، فكان صلى الله عليه وسلم يعقد ألويتَه الحربيةَ في المسجد، حيث تنزل الرحمات؛ لأن حربَه من أجل تمكين الدعاة من الوصول إلى الناس، ليخرجوهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لجيشه وقادته: اغزوا باسم الله ولا تقتلوا شيخًا هرمًا، ولا عابدًا في صومعته، ولا صبيًّا ولا امرأة، ولا تهدموا جدارًا، ولا تغوروا بئرًا، ولا تخربوا عامرًا، ولا تقطعوا شجرةً يستظل بها ابن السبيل، ولا تذبحوا بهيمةً لغير مأكلة، فأين حضارته ورحمته- صلى الله عليه وسلم- مما يفعله المحتلون بالمسلمين في أرض فلسطين والعراق وأفغانستان؟!
الواجبات العملية لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم
1- التعرف على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومدارسة سنته، ويمكن أن يتم هذا من خلال قراءة الكتب مثل الرحيق المختوم، فقه السيرة للغزالي، فقه السيرة للبوطي، زاد المعاد لابن القيم، رياض الصالحين، وغيرها.
ويمكن أيضًا سماع أشرطة للدعاة أمثال الشيخ محمد الراوي، أ/ وجدي غنيم، د/ طارق السويدان، د/ راغب السرجاني، ونشر هذه الأشرطة والكتيبات بين الأصدقاء، كما يمكن المدارسة الجماعية من خلال مشروع مجالس الإيمان "مرفق"، أما الدعاة والخطباء فعليهم لفت نظر الناس لهذا الأمر، مع تحضير الدروس والخواطر بعد الصلوات والخطب التي توضح مواقف النبي- صلى الله عليه وسلم- وتوضح جوانب عظمته.
2- سلسلة دروس مسجدية عنوانها "سُنن منسية" يوضح في كل منها سُنةً من سنن الحبيب- صلى الله عليه وسلم- وأهميتها العملية في الحياة، وماذا يحدث إذا فرط الناس فيها، مع ذكر نماذج من الحياة لتوضيح ذلك.
3- الالتزام السلوكي بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من أفضل الوسائل التي تنشر سنته صلى الله عليه وسلم (انظر موضوع كيف تصبح قدوة).
4- تربية الأبناء على سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- ووجوب الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم ونصرته، والصلاة والسلام عليه في الأذكار صباحًا ومساءً، وقبل الدعاء وبعده، وإذا ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، ونذكر هنا كيف أن امرأةً مسلمةً هي عفراء قد شحنت ابنيها- معاذ ومعوذ- بوجوب الانتقام من أبي جهل، لأنه كان يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت لهما- قبل غزوة بدر- والله لن تدخلا البيت، ولن يظلكما سقفه، حتى تثأروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت النتيجة أن سألا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن يُعيِّن لهما أبا جهل، فما أشار إليه هجما عليه حتى قتلاه.
5- المقاطعة لمنتجات كل من يسبُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
6- اتباع سبيل النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته العُظمَى التي أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ (يوسف).
7- هجر المعاصي والذنوب، فإن هؤلاء تجرَّأوا على نبينا لما رأوا ضعفنا.. كان المسلمون في الماضي أمةً تنصر بالرعب مسيرة شهر، وكانت الجيوش تجهَّز من أجل امرأةٍ أُهِينت فنادت: "وامعتصماه"، وردَّ المعتصم حين علم بصرختها: لبَّيكِ أختاه، فجهَّز جيشًا ليهزم الروم في عموريةَ، أما في هذا العصر فلما اشتد ضعفنا، دنسوا المصاحف في جوانتناموا، فلما رأوا أن ردَّ الفعل كان مختزلاً في بعض المظاهرات جاهَروا بالإساءةِ للنبي صلى الله عليه وسلم.
يا من تأكل مال اليتيم، يا من تتعامل بالربا، يا من تهتك الأعراض، يا من تدمر عقلك بالمسكرات والمخدرات.. قاطع المعاصي قبل أن تقاطع منتجات الأعداء، فقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم".. فترك المعاصي هو الأولى، لهذا قال ابن عمر: لأن أتورع عن درهم من حرام خيرٌ لي من أن أنفق مائة ألف درهم في سبيل الله.
8- ترشيد الغضب، فمن الجميل أن تغضب الأمة عند سب نبيها صلى الله عليه وسلم، وهذا شأن الصحابة، فكان أحدهم إذا سمع ما يؤذيه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: دعني أضرب عنقه يا رسول الله، فحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءٌ من الإيمان، وقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال: "من استُغضب ولم يغضب فهو حمار"، وها هو رسولنا- صلى الله عليه وسلم- يقول: "من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مره فليس منا"، وخروج المظاهرات وسيلة لإظهار هذا الغضب، ولكنْ هناك ضوابطٌ حتى لا يتحول الغضب الإيجابي إلى فوضى وتدمير للممتلكات وترويع للآمنين.
والإسلام يربي المسلم على عفة اللسان وطهارته، فنهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن السباب، وقال: "لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء، لا تسبوا الحمَّى، فإنها كفارةُ الخطايا، لا تسبوا الريح، فإنها مأمورة، لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة"، وأكثر من ذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ (الأنعام: من الآية 108)، فسبُّ الأصنام يجرِّئهم على الرد بالمثل، بل إنا نُهينا عن سبِّ الشيطان، وأُمرنا بالتعوذ منه، قال- صلى الله عليه وسلم-: "لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره".
9- مطالبة الحكومات عن طريق ممثلي الشعب في البرلمان برفع طلبات للأمم المتحدة والشجب المستمر حتى تُصدر قرارًا أو قانونًا صريحًا يحرِّم بشكل قاطع إهانة الأنبياء والمقدسات، كما أصدرت من قبل قانونًا لحماية السامية يحكم بمقتضاه على مَن ينتقد اليهود أو يسخر مِنهم.
كيف تصبح قدوة؟!
لقد حرص النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يكون المسلم قدوةً، ذكرًا كان أو أنثى، غنيًّا كان أو فقيرًا، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" (متفق عليه)، ثم سار أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- على دربه، فكان أحدهم إذا نقل حديثًا عن رسول الله التزم سلوكيًّا بما نقل، فغرسوا أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- وقيم الإسلام في كل مكان، ومن أمثلة ذلك.
1- نقل أسامة بن زيد حديث النبي- صلى الله عليه وسلم- "إن الأعمال تعرض يوم الإثنين والخميس، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (رواه أحمد) ثم التزم سلوكيًّا بصيام الإثنين والخميس حتى هرم.
2- نقلت أم حبيبة- رضي الله عنها- حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيتًا في الجنة" (رواه مسلم) ثم قالت: فلم أترك هذه الركعات منذ أن سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال كل من روى هذا الحديث.
والمسلمون اليوم مسئولون عن نشر قيم الإسلام في عصر الحضارة المادية، والمطلوب أن ننقل قيم الإسلام بالسلوك وليس بالكلمات، فالذي ينقل بالكلمات فقط في ظاهره داعية وفي حقيقته قاطع طريق، كما قال الإمام ابن القيم، فالناس يتأثرون بالقدوة أكثر من الكلام، وكما قالوا: عمل الرجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل لرجل.
والسؤال: كيف تصبح قدوة؟!
الخطوات العملية
1- الدعاء: قال تعالى في صفات عباد الرحمن:﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)﴾ (الفرقان).
2- الصبر واليقين: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾ (السجدة).
فلا بد من الصبر والاستمرار والمثابرة للتخلق بأخلاق النبي الكريم، ولا بد من حبس النفس على ما تكره بكثر الصيام والقيام، ومجاهدة النفس للتحقق بالصفات، فإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتصبَّر يصبرْه الله، ولا بد من اليقين؛ لأنه يهوِّن الصبر، والعلم هو باب اليقين، فلا بد من الاستماع القراءة، والحفظ والعمل والنشر لكل ما يتعلمه المرء من أمور دينه.
3- البُعد عن الظلم؛ فإن إبراهيم عليه السلام لما وهبه الله الإمامة في الدين أحب أن تكون في ذريته، فذكر الله تعالى مانعًا للإمامة لا تتم به؛ حيث قال تعالى:﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾ (البقرة).
4- مخالطة الصالحين: فالصفات تنتقل بالمعايشة، وهنا تأتي أهمية المحاضن التربوية في إنتاج القدوات (انظر مشروع مجالس في حب النبي صلى الله عليه وسلم)، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعلِّم أصحابه العلم والعمل جميعًا، كما قال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقرِئنا عشرَ آيات فلا يتجاوزها إلى عشر أخرى حتى نتعلم ما فيها من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا" (صحيح سنن أبي داود).
سبيل النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ (يوسف).
كان من أوائل الأوامر القرآنية للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿قُمْ فَأَنذِرْ(2)﴾ (المدثر) ومنذ هذه اللحظة رفع النبي- صلى الله عليه وسلم- شعار لقد مضى عهد النوم يا خديجة، واتخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- كل الوسائل الممكنة لتنفيذ هذا الأمر:
1- فاتصل بالأفراد اتصالاً شخصيًّا (انظر دعوته صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق).
2- بدأ بأهل بيته، فأسلموا جميعًا.
3- ثم دعا عشيرته الأقربين.
4- وعرض نفسه على قبائل العرب، وتتبَّع مواطن اجتماع الناس ليبلغهم.
5- ورحل من أجل تبليغ الدعوة.
6- وأرسل الرسل نيابةً عنه لتبليغ الدعوة.
7- استقدم الوفود ليأخذوا عنه ويبلغوا أقوامهم.
8- وراسل الملوك والأمراء داعيًا لهم إلى الله.
9- وكلف أصحابه أن يتعلموا ويعلموا، وجعَل الحد الأدنى أن يعرف أحدهم آية.. قال- صلى الله عليه وسلم-: "بلغوا عني ولو آية".
10- وأمر جندَه ألا يحاربوا قبل أن يدعوا إلى الإسلام.
11- ثم حمَّل جميع المسلمين أمانة البلاغ ليبلغوا العالم دعوة الله.. يراجع في هذا كتاب (الرسول) للأستاذ سعيد حوى من ص 103: ص 108.
وفي مقابل ذلك استخدم أعداؤه كل الوسائل لمقاومته، وإثنائه عن دعوته، وحاولوا إغراءَه بالمال فرفض، وحاولوا أن يضغطوا عليه عائليًّا، وسلكوا طريق الاستهزاء والسخرية والاتهامات، ثم استعملوا سلاح المقاطعة له ولكل من آذَوه من المشركين، وكانوا يلاحقون خطواته، ويحاولون صرفَ الناس عن دعوته، وأخيرًا حاولوا قتلَه، فلم يثنِه ذلك عن الاستمرار.. لمزيد من التفاصيل انظر كتاب (الرسول صلى الله عليه وسلم) لسعيد حوى ص 86: ص 102.
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس
ونختار من حياة النبي صلى الله عليه وسلم هذين الموقفين:
1- حرص- النبي صلى الله عليه وسلم- على هداية رجل حاول أن يقتله صلى الله عليه وسلم: ففي طريق دعوته من غزوة ذات الرقاع "نام النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة، وعلَّق بها سيفه"، فجاء رجل من المشركين واحترز السيف، وقال للنبي- صلى الله عليه وسلم- تخافني؟! قال صلى الله عليه وسلم "لا"!! قال الرجل: ومن يمنعك مني؟ قال صلى الله عليه وسلم: "الله"، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: تشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله؟! قال: لا: ولكني أعاهدك على ألا أقاتلك، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيلَه، فأتى الرجل أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس (رواه البخاري).
2- كان النبي- صلى الله عليه وسلم- ملتزمًا بالتبليغ، حريصًا على الهداية حتى آخر رمق في حياته، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان وهو يجود بروحه يقول: "الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم".. فما زال- صلى الله عليه وسلم- يردِّدها حتى ما يفيض بها لسانه.. أي حتى صارت الكلمات لا تتضح مع خروج روحه صلى الله عليه وسلم.