--------------------------------------------------------------------------------
التقرير الأخير للمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر يقلقنا على مسيرة الإصلاح السياسي، من حيث انه يدلل على أن الشوط لا يزال بعيداً لبلوغ الأمل المعقود عليه، وان ما قطعناه منه حتى الآن يظل في حدود »إعلان النوايا«، وفي احسن فروضه فهو بمنزلة خطى أولى في رحلة الألف ميل.
في 2005/10/7 أطلق أحد رجال الشرطة الرصاص على سائق حافلة ركاب صغيرة (ميكروباص) ـ اسمه علاء محمد عبداللطيف ـ ومساعده محمد عدلي. فأصاب الأول بطلق ناري في منطقة الرقبة. أما الثاني فان إصابته في الرقبة أعجزته عن الحركة. وسبب الاشتباك ـ طبقاً لما أورده تقرير مجلس حقوق الإنسان، أن رجل الشرطة أوقف الحافلة، وأمر ركابها بالنزول، ثم طلب من السائق أن يوصله إلى مقر إقامته (في منطقة أطلس جنوبي القاهرة). ولما رفض طلبه، أطلق عليه رجل الشرطة الرصاص فأصابه ومساعده على النحو السابق ذكره. (القي القبض على الشرطي بعد ذلك، وأمرت النيابة بحبسه لمدة أربعة أيام).
في واقعة أخرى (بتاريخ 2005/4/9) خرج مواطن آخر ـ اسمه محمد حبشي (27 سنة) من بيته متوجهاً صوب إحدى الصيدليات لشراء دواء لوالدته المريضة، فاستوقفه أربعة من أمناء مباحث قسم شرطة الموسكي (بالقاهرة)، وسألوه عن بطاقته الشخصية، ثم طلب أحدهم من السيد حبشي أن يقوم بشراء أربع وجبات »كفتة«. ولما رفض صاحبنا انهالوا عليه سباً بألفاظ نابية، وضربه أحدهم بجهاز اللاسلكي حتى أوقعه أرضاً، ثم قاموا بسحله في الشارع أمام المارة، وتم اقتياده إلى قسم الشرطة، حيث استمرت حفلة الضرب.
في واقعة ثالثة سجلها التقرير أن مواطناً اسمه محمد السيد سليم مقيم في مركز بشتول بمحافظة المنوفية، احتجز في مركز الشرطة لاتهامه في جنحة، وأثناء الاحتجاز تعرض للضرب بالأرجل على الظهر وهو مقيد من الخلف بقيود حديدية، مما افقده الوعي وأعجزه عن الحركة. وبعرضه على النيابة العامة قررت إخلاء سبيله بضمان محل إقامته. (مما يدل على أن التهمة الموجهة إليه بسيطة ولا تستدعي استمرار احتجازه). وأثناء عودته إلى القسم لإنهاء إجراءات الإفراج عنه، فوجئ باحتجازه داخل ديوان المركز طيلة ثلاثة أيام، وهو فاقد القدرة على الحركة. وحين أخلي سبيله في 2005/1/27 تم تحويله إلى مستشفى الزقازيق الجامعي. وفي تقرير حالته ذكر الطبيب المختص أن »المذكور يعاني من كسر بالفقرات القطنية، وفقدان الحركة والإحساس بالطرفين السفلي، كما انه يعاني عدم التحكم في البول والبراز، ويحتاج إلى اجراء جراحة لتثبيت العمود الفقري بواسطة شرائح ومسامير، تكلفتها في حدود عشرة آلاف جنيه«.
تخيرت هذه الوقائع من التفاصيل التي سجلها فصل عقده التقرير لأوضاع حقوق الإنسان في العام 2005، ليس فقط لما انطوت عليه من انتهاكات، ولكن لأسباب أخرى لها دلالتها، منها مثلاً أن ضحاياها مواطنون أبرياء لم يرتكبوا جرماً يبرر القسوة التي استخدمت بحقهم. ثم انه لا علاقة لهم بالسياسة من أي باب. والأهم من ذلك أن الذين مارسوا الاعتداء عليهم جنود عاديون أو أمناء شرطة في احسن الفروض، تصرفوا بدرجة عالية من النزق والاستهتار. الأمر الذي دفعني إلى التساؤل: إذا كان ذلك ما يفعله بالناس الجنود الذين لا حول لهم ولا قوة، فما هو المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الضباط إذن؟
ارجح انك تعرف الإجابة، لكن مع ذلك سأورد حالة عادية جداً أوردها التقرير، خلاصتها أن مواطناً بريئاً اسمه حسام السعيد عامر توجه بحسن نية إلى قسم شرطة الازبكية (بالقاهرة) لتحرير محضر ضد أحد سائقي السيارات. لكنه تعرض لسوء المعاملة في القسم، حيث أهانه وسبه بعض الضباط. وإذ فوجئ الرجل بذلك، فانه ثار لكرامته، ولم يملك سوى إخبارهم بأنه سوف يضرب عن الطعام احتجاجاً على إهانته. وجاء الرد متمثلاً في أمر باحتجازه في القسم والاعتداء عليه بالضرب »بالأرجل وبظهر الطبنجة«، ليس ذلك فقط، وإنما لفقت له أيضاً قضية تزوير ورقة مالية فئة 50 جنيهاً، وقدم إلى النيابة بهذه التهمة. لكنه تظلم وطلب إثبات ما تعرض له من إصابات نتيجة للضرب. فأمرت النيابة بإخلاء سبيله، إلا أن ضابط القسم ضرب بالقرار عرض الحائط، وظل محتجزاً الرجل لمدة ثلاثة أيام، تعرض خلالها لما تتصوره من اعتداءات بالضرب والسب والإهانة.
في مواضع عدة أشار التقرير إلى أن الذين مارسوا أمثال تلك الانتهاكات تمت محاسبتهم بصورة أو أخرى، وهو شيء طيب لا ريب (أحد الضباط حكم عليه بالحبس أسبوعا وبغرامة قدرها عشرون جنيهاً لأنه استخدم القسوة ضد أحد المواطنين) ـ غير أن وقوع الانتهاكات بحجم لافت للنظر، وممارستها ضد الأبرياء من جانب الجنود العاديين فضلاً عن الضباط، يسلط الضوء على حقيقة ينبغي الاعتراف بها، وهي أن ثقافة احترام حقوق الإنسان لم تترسخ بعد في إدراك العاملين في أجهزة الأمن، وان الصلاحيات الواسعة الممنوحة لهم تشجعهم على الإخلال بمقتضيات تلك الحقوق، وعدم الاكتراث في بعض الأحيان بضوابط القانون أو بقرارات القضاء والنيابة (روى التقرير أن وكلاء نيابة حي المنتزه بالإسكندرية قاموا بزيارة مفاجئة لمقر قسم الشرطة في غياب ضباطه فوجدوا بداخله 55 شخصاً محتجزون دون وجه حق).
في الفترة من بداية يناير 2005 وحتى أول مارس 2006 تلقى مجلس حقوق الإنسان 6528 شكوى، حوالي %43 منها تعلقت بأوجاع الناس العاديين وحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية. أما الذين اشتكوا من العدوان على حقوقهم المدنية والسياسية فنسبتهم تتجاوز %28، أي انهم يمثلون اقل قليلاً من ثلث الذين رفعوا أصواتهم وجأروا بالشكوى.
من الأرقام ذات الدلالة في هذا الصدد أن %38 من الشكاوى الأخيرة التي تلقاها المجلس من منطقة القاهرة الكبرى (محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية). وذلك ليس راجعاً فقط لزيادة الكثافة السكانية في هذه المحافظات، التي يعيش فيها ربع الشعب المصري، ولكنه راجع أيضاً لارتفاع مستوى التعليم والوعي بها، وتوفر المؤسسات الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان وغير ذلك من منظمات المجتمع المدني. وهو ما يعني أن التراجع النسبي لعدد الشكاوى المرسلة من الوجهين القبلي والبحري لا يرجع بالضرورة إلى قلة الانتهاكات فيها، وإنما لقلة الوعي وانتشار الأمية بها. إذ إن المنطق يقول بأن مجتمعات الوجهين القبلي والبحري تعيش أوضاعاً مدنية اضعف بكثير منها في القاهرة الكبرى، الأمر الذي يوفر ظرفاً مواتياً للتوسع في الانتهاكات التي يحتملها الناس في صمت، خصوصاً أن ممارساتها تظل بعيدة عن الأعين ومن ثم بعيدة عن الحساب.
ثمة معلومة لها دلالتها تضمنها جدول إحصائي بعدد الشكايات التي حولها المجلس إلى الجهات المعنية، حيث تبين أن حظوظ وزارة الداخلية والنائب العام من تلك المكاتبات أعلى بكثير من غيرها (وهو ليس غريباً) ـ إذ وجهت إلى الداخلية 353 رسالة والى النائب العام .212 غير أن ما يلفت النظر في هذا الصدد أن وزارة الداخلية ردت فقط على اقل من نصف الشكاوى التي أرسلت إليها (%47.5) وسكتت عن النصف الآخر، لأسباب لم تذكر ولكننا قد نفهمها. أما النائب العام فقد رد على %88 من المكاتبات التي تلقاها بخصوص الانتهاكات.
استوقفني طويلاً في التقرير أيضاً إشارته إلى أن »الاعتقال الإداري يمثل أحد اخطر الانتهاكات التي تقع ضد الحق في الحرية والأمان الشخصي« ودعوته »إلى سرعة معالجة قضية أولئك المعتقلين الذين تم اعتقالهم دون اتباع الإجراءات والضمانات القانونية المنصوص عليها« ـ مع الإعراب عن القلق »إزاء تفاقم الظاهرة، سواء من حيث أعداد المعتقلين أو طول مدة الاعتقال« وما يستصحبه ذلك من شيوع ظاهرة الاعتقال المتكرر وعدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية بالإفراج عن بعض المعتقلين.
همتني الملاحظة لسببين، الأول أنها تسلط الضوء على أحد أهم سلبيات قانون الطوارئ، الذي يطلق يد أجهزة الأمن في ممارسة تلك الانتهاكات، أما السبب الثاني فهو شخصي، لان لدي ملفاً متخماً بالشكاوى والتظلمات التي تلقيتها خلال السنوات الأخيرة، سببت لي »وجعاً« مستمراً في الضمير، لأنني ظللت عاجزاً عن أن افعل شيئاً لأصحابها، وهم عناصر شابة قضت سنوات غير قليلة في الاعتقال (تجاوزت العشر في الأغلب)، وهؤلاء الشبان إما انه لم توجه إليهم تهمة، أو انهم أدينوا في بعض القضايا، وأدوا ما عليهم وزيادة، ومع ذلك استمر اعتقالهم، بحيث لم يعودوا يعرفون متى سيرون النور. لذلك اصبحوا يطلقون على أنفسهم اسم »معتقلون بلا حدود«. وقد هدم مستقبلهم كما عذبت أسرهم، وبلغ بهم اليأس مبلغه، حتى كتب إليَّ بعضهم يقول: اقتلونا يرحمكم الله. لكي نستريح من العذاب، ولكي تتوقف عذابات أهالينا، ولكي تستريح منا الحكومة التي يقلقها الإفراج عنا.
(3)
أول واهم الخلاصات التي انتهى إليها التقرير تمثلت في الإلحاح مجدداً على المطالبة بإنهاء حالة الطوارئ وتصفية أوضاع المعتقلين، ومن ثم »إيقاف العمل بالأحكام القانونية الاستثنائية التي تهدر أو تنتقص من حقوق وحريات الأفراد« ـ في هذا السياق جرى التنبيه إلى أمرين، أولهما ضرورة حماية الحقوق والحريات العامة في قانون الإرهاب الذي يفترض أن يحل محل قانون الطوارئ، وثانيهما أهمية طرح المشروع الجديد للمناقشة مع مختلف الهيئات والمنظمات المعنية بالموضوع.
في المؤتمر الصحفي الذي عقد لإشهار التقرير يوم الأربعاء الماضي (5/4) تحدث الدكتور كمال أبوالمجد نائب رئيس المجلس بصراحة اكثر في هذه النقطة. إذ حذر من خطورة نقل بنود الطوارئ إلى قانون الإرهاب الذي يعد مشروعه الآن. وهو تحذير له دلالته ولم يأت من فراغ، لان المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الدوائر الأمنية تريد أن تحتفظ في القانون الجديد بالصلاحيات الواسعة التي وفرها لها قانون الطوارئ، متذرعة بأن تلك الصلاحيات من ضرورات مكافحة الإرهاب. وهو منطق خطر يصطنع تعارضاً بين أمن الوطن وكفالة حقوق المواطن وحرياته، في حين أن التوفيق بين الاعتبارين هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في المجتمع. أما خطورة ذلك النهج فتكمن ليس فقط فيما يمثله من انتقاص للحريات العامة، ولكنها تكمن أيضاً في أنه يشكك في صدقية الإصلاح المنشود، من حيث انه يريد للتغيير أن يظل مقصوراً على العنوان دون الجوهر، وهو ما يعني أننا نراوح مكاننا ولا نتقدم إلى الأمام.
إزاء ذلك، فإنني أرجو أن نتوافق على أن المشكلة ليست في قانون الطوارئ، أو في قانون مكافحة الإرهاب، ولكنها في »عقلية الطوارئ« (المصطلح ليس من عندي ولكني وقعت عليه في إحدى مقالات زميلنا الدكتور محمد السيد سعيد) ـ وهي العقلية التي أدمنت التعامل مع المجتمع من خلال قوانين وإجراءات استثنائية، وقضاء استثنائي. علماً بأن الأغلبية الساحقة من رجال القانون في مصر، يرون أن في البلد ترسانة من القوانين القادرة على التعامل مع الظاهرة، (منها باب كامل في جرائم الإرهاب أضيف إلى القانون الجنائي في عام 1992)، وأننا لسنا بحاجة حقيقية لا إلى قانون الطوارئ ولا إلى قانون مكافحة الإرهاب.
إن أكثر ما أخشاه في هذا الصدد أن يتكرر مع قانون الطوارئ ما جرى مع تعديل المادة 76 من الدستور، حيث أطلقت فكرة ممتازة تقضي بتعيين رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر من بين مجموعة من المرشحين. ولكن صياغة الفكرة وتنزيلها على الواقع أفرغها من مضمونها، الأمر الذي احدث قدراً مشهوداً من البلبلة، دفع البعض إلى إساءة الظن بالفكرة ذاتها. وها نحن بازاء موقف مماثل يثير نفس المخاوف، ذلك أن الاتجاه إلى إلغاء قانون الطوارئ أمر حميد ومرغوب لا ريب، لكن الإبقاء على مضمون القانون في تشريع آخر ـ لا لزوم له ـ يحمل اسماً مغايراً، يمثل صدمة أخرى، توقعنا في المحظور والإحباط واليأس. ولن يختلف حالنا في ذلك عن حال رجل كان اسمه حسن زفت، وإزاء انتقاد الناس له وسخريته منه، فانه غير اسمه إلى إبراهيم زفت، ثم ذهب مزهواً إلى أصحابه ليزف إليهم الخبر! للكاتب فهمي هويدي